السعادة لها أكثر من باب وليست حصرًا على قوم. لأن طريق السعادة يبدأ بتشكيله، وليس توقُّع الحصول عليها. كلما زاد سقف التوقعات، زادت دائرة الإحباط، والعكس بطبيعة الحال واقع.
لكن السعادة تُصنع، وهي ليست هدفًا؛ لأنها لا يمكن امتلاكها، بل هي مثل الزائر يأتي ويذهب من غير استئذان. تحتاج السعادة الكثير من الصبر، والقليل من التفاؤل، والكثير الكثير من الواقعية. لكن كل ذلك لن يأتي إلا إذا صحح الإنسان من نفسه وشق الطريق الذي يريحه.
بيّن الكثير من علماء النفس، وأذكر واحدًا منهم (فيكتور فرانكل)، أن السعادة لا يمكن مطاردتها أو الإمساك بها، بل لا بد أن تكون نتيجة لأفعال وقرارات وأفكار حدثت في الماضي. لا يمكن أن تحدث السعادة اليوم، لكن قطعًا يمكن توليدها في الغد لو فعلت أسبابها.
وأسبابها لا تُحصى، اطلب وتخيّر. ماذا عن تخفيض سقف التوقعات؟ ماذا عن رياضة المشي؟ ماذا عن كتابة المذكرات؟ ماذا عن التصالح مع الذات والتعرف على ما يزعجك فعلًا وقطع العلاقة به؟ ماذا لو بذلنا ما في وسعنا وتركنا الباقي؟ الحياة تتحرك، وأنا أقصد هنا حياتك الشخصية، محور كونك أنت، بطريقة قد تبدو غير مفهومة وعشوائية، ولكنك لو توقفت ونظرت بكل حكمة وهدوء ستجد أن هناك بعض الأمور تتكرر بين الفينة والأخرى، وفي الحقيقة أنت سببها.
المقارنة مع نفسك بالأمس أفضل اختبار، والمقارنة بينك وبين الآخرين تولد الإحباط، أو (إذا كنت متقدمًا عليهم قد تولد الامتنان). وهذا يقودني لدرس الامتنان. أستطيع أن أراهن أنه في الأشهر الثلاثة الأخيرة لم تفعل جلسة امتنان، وهو أقوى محفز للسعادة. خذ ورقة وقلمًا أو الملاحظات في هاتفك واكتب 10 أشياء أنت ممتن لها. دعني أساعدك: قد تكون بصحة جيدة. لديك منزل أو شقة، المهم مأوى تنام فيه. في الصيف بارد وفي الشتاء دافئ. لديك قوت يومك، بل لديك أكثر من ذلك بكثير. لديك الخيار بين الأكل الصحي والأكل الأمريكي. هل ترى ما أقصده هنا؟
أنت تعيش في بحر من النعم، ومثل السمكة تقول: لا أجد الماء. الامتنان مفتاح أساسي للسعادة، فاكتب قائمة الامتنان وكن ممتنًا قدر ما تستطيع. وأنصحك بالابتعاد عن الناس غير الممتنين. السعادة أحيانًا تطلب أن تكون وحيدًا بعيدًا عن مصدر الإزعاج. اصنع سكينتك بنفسك وابحث عن أشخاص مثلك. الباب الثاني: أن تكون لديك رسالة ومعنى في حياتك يشغلك عن سفاسف الأمور. حياة ذات معنى تعني أن هناك شيئًا أعمق حتى من السعادة. السعادة بذرة لمن له معنى في حياته. ولن تحصل على المعنى الآن، بل تبدأ في رحلة البحث عن المعنى.
دعني أوضح لك: لم أجد لحياتي أي معنى إلا بعدما شُخّصت بمرض ثنائي القطب (Bipolar)، وبعد 6 سنوات من المعاناة والألم والحزن والنشاط وتدمير الحياة، بعدما استسلمت، وبعدما ذهبت للطبيب النفسي وبدأت آخذ العلاج الدوائي، وبعد كل ذلك بسنة ونصف وجدت معنى لحياتي: أن أوعي الناس بمرض ثنائي القطب وخطورته، وفي نفس الوقت أهوّن على من هم مشخصين به، وأنهم أيضًا يستطيعون النهوض بمساعدة الطبيب النفسي وأخذ العلاج الدوائي مدى الحياة. اليوم أتحدث مع الناس عن المرض ورحلتي كأنها هويتي. هويتي هي رحلتي مع ثنائي القطب، لقد وجدت المعنى ولا تهمني الآن السعادة، المهم المعنى والرسالة.